قضايا عامة

التعليم في لبنان : الإنهيار قاب قوسين بقلم الأستاذ ماجد جابر

التعليم في لبنان : الإنهيار قاب قوسين

بقلم الأستاذ ماجد جابر

باحث وكاتب تربوي

لن تكون أزمة وباء كورونا هي الاصعب التى اصابت قطاع التعليم في لبنان كما غيره من القطاعات ،  ولن تكون المشكلات المرتبطة بعملية التعليم عن بعد  والمناهج القديمة والازمات التربوية المتراكمة والتي انهكت القطاع التعليمي على مدى عقود من الزمن هي اسوأ الازمات. الواقع  القريب المرتقب  مع انطلاق العام الدراسي المقبل  يشي بوضوح ان الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان ستطغى على بقية مشكلات وتحديات القطاع التعليمي ، لما للامر من اثر  خطير  قد يودي الى الانهيار التعليمي والسقوط نحو الهاوية بشكل مريب،  بحيث  يتحول الخيار الطارئ، كالتعليم عن بعد او التعليم المدمج الى ضرورة ملحة وحاجة إنقاذية .
التعليم الخاص الذي يضم ثلثي تلامذة لبنان، والذي تحول في السنوات الاخيرة الى قطاع ذات مشروع  ربحي وفير، واصبح  يضم كارتيلات تجارية عديدة تكاد تتحكم بالقرار التربوي، سيواجه ازمة لم يخبرها من قبل ، لذا لن يقبل هذا القطاع التعليمي استئناف التعليم الحضوري في مدارسه  في ظل الوضع المالي والاقتصادي المتدهور دون اي يقوم بإجراء رفع الاقساط المدرسية،  باعتبار ان التضخم الكبير في النفقات التشغلية لا يمكن للمداخيل والايرادات المحصلة من الاقساط بشكلها الحالي  ان تكون قادرة على تغطية هذه النفقات، وتسيير عمل المدارس بشكل طبيعي ، وتحقيق الارباح المقبولة بالنسبة لها. لذلك، فان الميزانية التشغيلية وتحديداً  قسم النفقات منها  ، وفي ظل الارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار ورفع الدعم  المرتقب عن الوقود ، سيشكل الحجة الاقوى لهذه المدارس لرفع اقساطها الى ضعفين وربما اكثر  اذا رغبت في  زيادة رواتب النفقات المتعلقة بأجور المعلمين  والموظفين . كما ان الاجراءات التقشفية والادارية الخاصة التي  قد تلجأ اليها هذه المدارس  ستكون صارمة وقاسية بالتوازي مع ضغوطات المرحلة العصيبة. عدد من المدارس بدأ  منذ الان في التفكير لوضع خطة تعليم مدمج ( يومان  تعليم عن بعد  و3 ايام تعليم حضوري) للعام الدراسي المقبل حتى لو ذهب وباء كورونا الى غير رجعة،  وقد تلجأ العديد من المدارس الى تقليص الحصص الاسبوعية لبعض المواد التعليمية ،  والغاء   بعض المواد من برامجها لا سيما الاجرائية منها كالموسيقى ،والفنون  والروبوت ، والتكنولوجيا ، وذلك بهدف تخفيف النفقات التشغيلية  في المدرسة قد الممكن، وغيرها من الاجراءات . هذا ، وقد تدفع الاوضاع بعض المدارس الى اقفال ابوابها بشكل دائم .

استعراض عدد من الامثلة على  هذه النفقات التشغيلية قد يوضح الصورة للتدليل اكثر على خطورة الوضع . سعر اقلام الكتابة على اللوح والورق الخاص بالطباعة تخطي 9 اضعاف سعره عن السابق بالليرة اللبنانية ، فلو كان لدينا مدرسة من 1000 تلميذ مثلاً، وكانت  فاتورة الاستهلاك للورق والاقلام  40 الف دولار سنوياً، اي ما كان  يساوي 60 مليون ليرة  سابقاً ، فان  التكلفة  تساوي اليوم  512 مليون ليرة  ( اذا اعتبرنا ان الدولار يساوي 12800 ل.ل في تاريخ كتابة المقال) .

هذه التكلفة التي اصبحت عملياً تناهز عشرة اضعاف  مما كانت عليه في السنوات الاخيرة قبل الازمة الاقتصادية ستنسحب على  تكاليف صيانة اجهزة  الطباعة والمختبرات  والكاميرات والحواسيب والاجهزة السمعية والبصرية وصيانة الصفوف والمولدات الكهربائية ومصادر الطاقة ان توافرات ( الواح شمسية وملحقاتها ، …)  وباصات النقل وتكاليف الوقود للمولدات  ومواد التنظيف  وغيره..

تدابير المدارس في رفع الاقساط والتي ستتفاوت بين مدرسة واخرى ، و التي قد تجنح بعضها نحو اقساط خيالية بحجة تفادي العجز المالي، سيودي الى خسارة هذه المدارس عدد كبير من تلامذتها  بسبب عدم قدرة الاهالي على تغطية مستحقات الاقساط الجديدة  بالتوازي مع المتطلبات  المعيشية الصعبة والاسعار المرتفعة جداً. كما ستلجأ هذه المدارس الى صرف عدد كبير من المعلمين فيها .
هذه الاجراءات التقشفية سيكون لها انعكاس سلبي علي  جودة العملية  التعليمية في هذه  المدارس لانها  ستحد بشكل كبير من الاستخدام الطبيعي للوسائل التعليمية والمخبرية  واللوجستية في المدرسة ، توجساً من تعطلها، واستبدل الاستخدام الورقي للكتيبات والبطاقات  التعليمية  بملفات رقمية من صيغة pdf  على سبيل المثال ، والتقليل قدر الممكن من المشاركة في الانشطة التعليمية اللاصفية والتي تتطلب تكاليف خاصة، فضلا عن خسارة هذه المدارس لعدد كبير من الكفاءات التعليمية التي ستتوجه للبحث عن فرص عمل افضل داخل البلاد او خارجها، وبالتالي  ستلجاً للاستعاضة عنها بكفاءات جديدة  متخرجة حديثاً تحتاج للكثير من الخبرة والتدريب ولكنها ستتطلب رواتب أقل .

الواقع المالي الصعب الذي ستواجهه المدارس سيدفع عدد كبير  منها الي رفع موازنات  خيالية الى وزارة التربية، اضعاف مما قامت تقوم بتضخيمه اصلاً، وبالتالي تفاقم المشكلة بين المدارس ومجالس  الاهل فيها أكثر فأكثر. واذا كان هذا الامر يكاد يكون كارثياً على المدارس العادية، فكيف ستصبح الامور بالتالي  مع المدارس التي تتابع ذوي الصعوبات التعلمية والتي تحتاج الى نفقات تشغيلية اكبر بكثير؟

التعليم الرسمي لن يكون  بمنأى عن  عين العاصفة الاقتصادية والمالية ابداً. فإذا كانت  الدولة  ما زالت قادرة حتى الان على دفع رواتب المعلمين ومستحقات المتعاقدين، والتي خسرت ٩٠ بالمئة من قدرتها الشرائية ، فإن  المدارس الرسمية  والتي يتوقع ان تشهد نزوحاً كبيراً اليها من تلامذة  المدارس الخاصة ،  لن تكون في الوقت عينه قادرة مالياً عن تلبية متطلبات الصيانة للاجهزة والمختبرات وماكينات الطباعة والمولد الكهربائي وتأمين الوقود والموارد اللوجسيتة الخاصة بالعمليتين  الادارية والتعليمية والصحية  وغيرها،  كتلك التي اشرنا اليها في معرض الحديث عند المدارس الخاصة، خصوصاً ان صناديق الاهل في هذه المدارس هي اساساً تكاد تكون فارغة، وان تواجد فيها بعض المال، لن يكون له قوة شرائية مقبولة في مواجهة ارنفاع الاسعار الجنوني. هذا الامر سينعكس بشكل كبير على تلبية متطلبات العملية التعليمية وبالتالي تدني الانتاجية  التعليمية للمدرسة الرسمية ، وانخفاض جودة ومستوى التعليم فيها  بشكل مباشر.

المعلمون بدورهم ، سيكونون اكثر  المتأثرين في ضوء الانهيار الاقتصادي، وربما اكثر من سيدفع ثمن التردي المتسارع . ففي الوقت الذي لن تتحسن رواتبهم  في المدي المنظور  ، الا في استثناءات خاصة جداً  وربما في بعض المدارس الخاصة المدعومة خارجياً ، لن يكون باستطاعة المعلمين القدرة  على تلبية الحضور الى  المدارس بشكل  مريح وطبيعي، فالتململ  من الحضور اليومي الى المدارس سيكون سيد الموقف خصوصاً ان الجهد الذي يبذله المعلمون  سيقابله رواتب ضعيفة جداً. . على سبيل  المثال ، سيضطر  معلم  راتبه الشهري مليون وثلاثماية الف ليرة ، كمعدل وسطي ، ان يتكلف في حال تم رفع  الدعم  الكلي  الى انفاق اقله 500 الف ليرة شهرياً بدل وقود لسيارته من اجل الذهاب للمدرسة والعودة منها يومياً، هذا  اذا كان منزله يبعد عن المدرسة حوالي ١٠ كلم كمسافة وسطية،  ويزداد المبلغ  اكثر مع بعد المسافة ، هذا فضلا عن الانفاق على  قطع السيارات وصيانتها  المكلفة جداً والتي سيضطر اليها المعلم بين وقت واخر . هذا الامر بطبيعة الحال ، سيدفع عدد من المعلمين الى تقديم استقالتهم  من التعليم ، خصوصا المتعاقدين منهم ، والتوجه نحو البحث عن فرص عمل افضل  تحفظ لهم كرامتهم  الحياتية وتؤمن لهم قوت عيشهم، داخل البلاد او خارجها، وقد بدا يتمظهر الامر من خلال الاف الطلبات المقدمة  والمرفوعة  الكترونيا للتعليم في الخارج، لا سيما دول الخليج حيث  تتراوح الاجور بين 2000  و 3000 دولار شهرياً  وربما أكثر حسب الكفاءة العلمية والخبرة التعليمية  للمعلم.

 

اما اولياء امور التلامذة ، فان ميزانية تعليم اولادهم  ستيضاعف حملها ثلاثة  او أربعة  اضعاف على الاقل عما كانت عليه في السابق  ، فكلفة اجر النقل المدرسي وسعر الكتب والقرطاسية والالبسة وغيرها ستصبح اضعافا مضاغفة  مما كانت عليه . فإذا اعتبرنا ان  تكلفة القرطاسية والالبسة المدرسية  والملحقات التعليمية (دفاتر، الة حاسبة، علبة هندسية،…) لتلميذ واحد  تبلغ  حوالي 500 دولار ما يساوي 750  الف سابقا، فان التكلفة ستصبح   توازي   6400000 ( اذا بقي الدولار 12800ل. ل، والمبلغ حتماً سيزيد مع ارتفاع سعر صرف الدولار) ، اي ما يساوي سابقاً القسط السنوي لثلاثة تلامذة في مدرسة متوسطة الاقساط .  الحمل المالي سيصبح اثقل جداً على كاهل الاهل مع  الزيادة الكبيرة المتوقعة على الاقساط في المدارس الخاصة، فضلا عن  المصاريف  المدرسية اليومية  الخاصة  التي ستتضاعف بدورها بشكل كبير، بحيث لن  يقل  مصروف الولد اليومي عن عشرة الالاف ليرة كحد ادنى لشراء ما اعتاد عليه في المدرسة من  فطور صباحي وعلبة عصير وقنينة من الماء ولوح واحد من الشوكولا.

قال نيلسون مانديلا يوماً ، ” ان تدمير امة لا يحتاج الى قنبلة نووية او صواريخ بعيدة المدى ، وانما يحتاج الى تخفيض نوعية التعليم” . في لبنان ، كان  كافيا لان تنهار الليرة اللبنانية كي ينهار كل شي وفي مقدمتها التعليم وتهديد مستقبل وطن وجيل بأكمله .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى